من يتابع وسائل الإعلام لدينا يجد تباكياً مستمراً على مؤسسات القطاع العام الصناعي ولوماً متواصلاً للحكومة لعدم رصدها الأموال اللازمة لتطوير هذا القطاع وربطاً مستمراً لأية مشاكل في المستوى المعيشي للمواطن بغياب استثمارات جديدة في هذا القطاع.
لا بد في البداية من تأكيد أن دور الدولة في الحياة الاقتصادية لا ينحصر فقط من خلال القطاع العام الصناعي. الدولة مسؤولة عن إدارة مرافق عامة مرتبطة بوظائفها الأساسية وهي لا بديل من الدولة فيها, ومنها الدفاع والأمن والصحة يضاف إليها في البلدان النامية التربية والتعليم.
كذلك هناك دور للدولة في تقديم خدمات البنى التحتية كالكهرباء والماء والتي على الرغم من أنها تصنف في بعض الدول على أنها باتت فعاليات تجارية، لكن توفيرها فيه مصلحة عامة لذلك على الدولة في الدول النامية أن تستثمر فيها أو تشجع على الاستثمار فيها لتلبية حاجات التنمية الاقتصادية, وهناك مشاريع تجارية بحتة لكن توفرها فيه مصلحة عامة كمواقف السيارات, وهناك أخيراً القطاع العام الصناعي.
وإذا سلمنا بأن جوهر علم الاقتصاد هو ندرة الموارد، فإن موارد الدولة يجب أن تخصص وفق الأولويات. فموارد الدولة معروفة وهي الضرائب والرسوم وإيراداتها من ممتلكاتها أو حقها من استثمار الموارد والخامات الطبيعية كالنفط والفوسفات وهذه الموارد محدودة.
يضاف إلى ما ذكرنا الوظيفة الاجتماعية للدولة في توفير الرعاية الاجتماعية للفئات المستحقة خاصة أصحاب الاحتياجات الخاصة.
إذاً هناك قائمة طويلة من الحاجات تعتمد على دور الدولة لتلبيتها. وهناك من يرى في الخطط الاقتصادية الحكومية بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الموعودة وعوداً ينتظر تحقيقها من قبل الدولة وكأنما عليه الانتظار فقط لعل المعجزة تحدث. هناك الكثيرون ممن لهم مصلحة في استمرار عمل بعض معامل القطاع العام الصناعي الخاسرة التي تقوم على التوظيف الاجتماعي والبعض منها تحول إلى دار للرعاية الاجتماعية عملياً تحت مسميات الحفاظ على الحقوق المكتسبة وهنا غياب كامل لأي مسؤولية عن الأداء فيها عبر طرح شعارات خاسرة ومخسرة حتى يغيب أي مبدأ للمسؤولية عن انفاق المال العام أو مدى الاستفادة من الأصول التي تديرها أو تسيطر عليها هذه المؤسسات.
للدولة دور جوهري في القطاع الصناعي ليس في تملك منشآت صناعية وإدارتها فحسب وإنما في رعاية إقامة مصانع في بعض الصناعات الإستراتيجية التي لا يمكن أن يقدم عليها القطاع الخاص في الدول النامية دون رعاية من الدولة.
كذلك للدولة دور في عملية توجيه الاستثمارات الأجنبية لإدخال صناعات جديدة متطورة تقنياً إلى البلاد، خاصة تلك التي تعتمد على المدخلات الزراعية والصناعية المنتجة محلياً. وكمثال على ذلك يكفي أن نأخذ التجربة الكورية الجنوبية في صناعة الصلب التي اعتمدت على رعاية الدولة للقطاع الخاص في إدخال صناعة كانت مقصورة على عدد محدود من دول العالم. بداية تدخل الدولة ودورها في هذا المجال هو إعادة تقييم لكل معامل القطاع العام الصناعي ووضع استراتيجية لدور الدولة في الصناعة الوطنية. نحن على ابواب خطة خمسية جديدة ولابد أن تأخذ هذه الخطة بعين الاعتبار حاجاتنا الاقتصادية ومستلزمات توليد تنمية اقتصادية مستدامة لا يمكن أن تتحقق دون تطوير بنية تحتية متطورة وقاعدة صناعية متطورة وإعادة توزيع للدخل لا على أساس الحاجة بل على أساس الكفاءة.
ويأتي الدور الاجتماعي للدولة في تمكين الفئات المتضررة من عملية التحول, يضاف إليها تأسيس شبكة الأمان الاجتماعي التي يجب أن تكون جزءاً من الحامل الاجتماعي لاقتصاد السوق.
ودون وضوح في الرؤية يبقى هناك من سيحاول الخلط بين الاقتصادي والاجتماعي لإبقاء عدم المساءلة عن أداء مؤسساتنا الاقتصادية العامة.