المعادلة الصعبة في الاقتصاد الأميركي المترنح هي أن الكساد والإجراءات المالية المكثفة للإنقاذ والدعم أدت إلى تفاقم العجز الفيدرالي. كان الدعم ضروريا من أجل تسهيل عملية هبوط الطلب الخاص.
وبرغم ذلك فإن الاقتصاد لم يخرج من الكساد والبطالة لا تزال في ارتفاع مما يعزز التكهنات بالحاجة إلى مزيد من الدعم. غير أنه في نفس الوقت فان الناخبين يتألمون من ارتفاع العجز وسوف يستغرق الأمر وقتا قبل أن تتحسن الأسواق الداخلية في ظل السياسة الحالية لمعالجة العجز الفيدرالي الذي بلغ رقما قياسيا منذ الحراب العالمية الثانية إلى 10% من إجمالي الناتج العام في العام المالي المنصرم ، من المتوقع أن يتراجع العجز إلى 2 .4 % من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2014 ثم يرتفع بعد ذلك باستمرار. والقادة السياسيون في أميركا يعرفون إن هذا أمر غير مقبول. المعادلة لا تزال شديدة الصعوبة. وأكبر مثال على صعوبتها إن طلاب جامعة الدفاع الوطني خضعوا لاختبار وضع الميزانية على أساس نموذج اقتصادي.
ولكي يخفضوا الدين العام رفعوا الضرائب وخفضوا الإنفاق. لكن النتيجة النهائية إن الدين ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة حسب النموذج ، واخفق كل الطلاب. وكان الحل في النهاية ، للأسف ، أن تستمر أميركا في الاقتراض من الخارج.
ويقول خبراء أن الميزانيات الوزارية في أميركا تستعد للتقشف الشديد قبل بدء الميزانية الجديدة في فبراير المقبل.
وتفيد تجربة الدول الأخرى بعد الكساد بأن تعافي الاقتصاد الأميركي لن يكون كبيرا وسوف يكون ضعيفا أيضا. والتقشف قبل الأوان يمكن أن يخنق التعافي الاقتصادي في مهده ويجعل العجز أسوأ في المستقبل.
ويقول بول كروجمان الخبير الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل إن التصرف الحصيف حيال العجز حاليا سوف يكون ضرب من الجنون.
غير أن ارتفاع العجز قد يرفع سعر الفائدة ويؤدي الغموض في الرؤية المستقبلية إلى قتل ثقة رجال الأعمال. وارتفاع الفائدة سوف يقتطع أموالا من الخدمات العامة الأخرى ويحد من مرونة الاستجابة للازمات الاقتصادية المقبلة.
وقال صندوق النقد الدولي لا ينبغي أن تتردد الحكومات في إعلان استراتيجيات للخروج من الأزمة الآن رغم أن الوقت لا يزال مبكرا للبدء في وقف الدعم المالي.
تلك التصريحات والأقاويل ، حتى بدون خفض الإنفاق الفوري أو رفع الضرائب يمكن، أن تهديء الأعصاب. وتخفض العجز المالي ، إذا تم بالصورة الصحيحة ، يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي.
تعزيز الإنفاق
الجهود المستقبلية بعد عام 2019 سوف تكون ضرورية لزيادة الضغط على الديون بفعل الإنفاق. وسوف تستمر الديون في الارتفاع في الوقت الذي يستمر فيه الشباب في الوصول إلى سن التقاعد ، ثم يفلت زمام الأمور.
غالبية النمو في ظل العجز يأتي من الإنفاق ، الذي بلغ 21% من إجمالي الناتج المحلي في الفترة من 1980 إلى 2007 لكنه سوف يصل إلى 25% بحلول 2019 وفق المكتب البرلماني للميزانية.
ويأتي بعض النمو من الرسوم على الديون المتوقع أن تصل إلى ثلاثة أضعافها مقابل 5% حاليا من إجمالي الإنفاق. لكن المخصصات تحتل مكانة رهيبة في الميزانية. وحسب السياسات الحلية سوف ترتفع نفقات المعاشات والرعاية الصحية للمتقاعدين والرعاية الصحية للفقراء من 10% من إجمالي الناتج المحلي في 2011 إلى 18% في .2050.
الرعاية الاجتماعية أكثر ارتفاعا على مدى المستقبل ، الا ان الأمريكيين يعيشون لفترات أطول والجيل الحالي أكثر صحة من الجيل السابق. وسوف يرتفع متوسط العمر إلى 67 عاما في 2027 ثم إلى 70 سنة فيما بعد. و يمكن أن يرتفع العمر في برنامج الرعاية الصحية من 65 عاما حاليا إلى أكثر من ذلك.
وثانيا يمكن أن تعتمد الفوائد الاجتماعية على ارتفاع الأسعار وليس الأجور خلال فترة حياة المستفيد من نظام الرعاية، باستثناء العاملين من أصحاب الأجور الضعيفة. ثالثا يمكن ربط الفوائد الاجتماعية بالتضخم. رابعا يمكن خفض الفوائد بالنسبة للزوجين المتمتعين بالرعاية وكلاهما على قيد الحياة. باختصار فان الفوائد الاجتماعية يمكن أمن تتراجع أكثر مما هو متوقع الآن لكن ليس القيمة الحقيقية.
تدفع الحكومة الفيدرالي حاليا 50-83 % من الرعاية الطبية وتدفع الولايات النسبة الباقية. ويشع هذا الولايات أو الحكومات المحلية على توسيع نطاق الرعاية والفوائد الاجتماعية لأنهم يدفعون نسبة بسيطة من التكلفة. لكن ربط الرعاية الصحية بالتضخم والسكان والطلب من الولايات الغنية أن تدفع معظم نصيبها سوف يشجع الولايات على تقليل نفقات الرعاية.
وسوف تشكو الولايات ومن يمثلها من أعضاء في الكونجرس من تحويل النفقات من الميزانية الفيدرالية إلى الميزانيات المحلية. والولايات التي ترغب في برامج أكثر إنفاقا يمكن ان تحصل ضرائبها بنفسها. ولأن الغالبية مطالبون بأن تكون ميزانياتهم متوازنة لا يحتمل أن يمولوا الإنفاق الصحي بدرجة أكبر من الحكومة الفيدرالية، عن طريق الاقتراض.
ولأن تغيير المخصصات لابد أن يتم ببطء فإنها تعرض توفيرا محدودا على المدى القصير. وبرامج الإنفاق الأخرى مثل التمويل السريع ودعم المزارعين يمكن أن تخفض. والإنفاق الدفاعي والسري يمثل عبئا آخر على الميزانية.
المتاهة الضريبية
يمكن أن توفر الإجراءات المقترحة سابقا على الأقل نصف المدخرات المطلوبة لتخفيض العجز إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي .وبدون تخفيضات كبيرة في الإنفاق لابد ان يكون تحقيق النصف الآخر عن طريق عائدات الضرائب.
وهذا يعاقب على العمل والاستثمار ويشجع على الاقتراض والإنفاق. الإعفاءات والديون والثغرات تساوي تريليون دولار سنويا مما يعوق النظام ويشوه السلوك. خفض إنفاق التأمين الصحي يشجع على برامج أكثر ثراء ومزيد من الإنفاق.
وخفض الفائدة على الرهونات العقارية يعزز الاقتراض والقوة الدافعة.. والثغرات تكون في صف الأثرياء مما يجعل النظام الضريبي أقل قدرة على النمو ويشجع على التهرب الضريبي.
القانون الضريبي يبلغ حاليا ملايين الفقرات ويتغير في المتوسط يوميا. والالتزام الضريبي يكلف الأميركيين نحو 200 مليار دولار سنويا. هذا التعقيد يتفاقم بضريبة الحد الأدنى وهي ضريبة موازية تستهدف الأثرياء ويجب أن تفرض سنويا لتجنب عدم الإثقال على الطبقة المتوسطة.
الخلاصة أن هناك حاجة إلى إصلاح ضريبي. والإصلاح الضريبي سواء على أساس الدخل أو ضريبة القيمة المضافة يعتمد في الأساس على السياسيين أكثر من الخبراء الاقتصاديين. وهناك من يدافعون عن كل من الثغرات في القانون الضريبي، لكنه من الصعب جدا إقناع الجميع بدفع ضريبة جديدة لم تكن موجودة من قبل.
أوباما يقترح اعفاءات ضريبية بقيمة 33 مليار دولار لتعزيز الوظائف
اقترح الرئيس الأميركي باراك أوباما اعفاءات ضريبية بقيمة 33 مليار دولار لاغراء الشركات الصغيرة على توظيف عمال مشددا على التزامه بجعل ايجاد الوظائف على رأس اولوياته. وسيجري وضع حد أقصى قدره 500 ألف دولار لكل شركة لضمان ذهاب معظم الاعفاءات الى الشركات الصغيرة.
وتحدث أوباما بعد صدور بيانات تظهر أن الناتج المحلي الاجمالي الأميركي سجل نموا اقوى من المتوقع بلغ 7 .5% في الربع الاخير من 2009 وهو اتجاه أشاد به أوباما ووصفه بأنه تحسن قوي مقارنة بالتدهور الاقتصادي في الفترة ذاتها قبل عام.
لكنه أصر على الحاجة الى عمل المزيد لتشجيع التوظيف وحث مجلس الشيوخ على المضي قدما في اقرار تشريع الوظائف. ووافق مجلس النواب على مشروع قانون للوظائف بقيمة 155 مليار دولار في ديسمبر.
ودعا الرئيس الأميركي الجمهوريين إلى العمل مع الديمقراطيين لتحسين الوضع الاقتصادي وتخفيض العجز وتحسين الرعاية الصحية، مكرراً اقتراحه بالإعفاء الضريبي للشركات الصغيرة.
ودافع أوباما عن حزمة التحفيز الاقتصادي وعن جهده الأخير لتقديم تحفيزات اقتصادية للشركات الصغيرة واقتراح إصلاح الرعاية الصحية مشيراً إلى ان وراء كل شيء معالجات يدعمها الجمهوريون عادة.
وخلال حوار بينه وبين المشاركين في اللقاء، قال أوباما انه سيبحث في اقتراح جمهوري يدعو إلى الاقتطاع الضريبي المتساوي بين كل القطاعات لكنه أوضح: إذا دعوتم للاقتطاعات المتساوية ثم قلتم اننا سنوازن بطريقة ما موازنتنا فسأرغب بالاطلاع على حساباتكم وأرى كيف تسير الأمور. وشدد أوباما على ضرورة أن يظهر أعضاء الكونغرس انتظاماً من كلا الطرفين.
من جهة أخرى تحدث أوباما أمام عمال شركة شيسبيك ماشين في بالتيمور عن الإعفاءات الضريبية التي تهدف إلى خلق وظائف وتقديم مساعدة للشركات الصغيرة.
وقال: أنا أقترح ما أظن انه الأفضل لتعزيز الاستخدام في الشركات الصغيرة: إعفاء ضريبي للشركات التي تزيد عدد عمالها وترفع الأجور هذه السنة. وأضاف ان الوقت الآن هو الأفضل لهذا النوع من التحفيز، فالاقتصاد ينمو لكن نمو الوظائف بطيء. وكرر أوباما بعض ما ورد في خطاب حال الاتحاد بشأن الوظائف والاقتصاد وقال ان كل أرباب العمل سيحظون باقتطاع ضريبي يقدر ب5 آلاف دولار مقابل كل عامل إضافي في الـ 2010.
وشدد على ان الشركات الصغيرة منحت القوة للاقتصاد الأميركي في الماضي، وهي ترعى تعافيه الآن. وتابع: لا شك لدي اننا إذا دعمناكم، ستقودنا الشركات الصغيرة مثلكم إلى أيام أكثر إشراقاً. وأشار أوباما في بيان أيضاً إلى ان الحكومة الفدرالية ستسعى لتقليص التلوث بغازات الدفيئة بنسبة 28% مع حلول العام 2020.
وأشار إلى ان تحقيق هدف تخفيض نسبة التلوث سيقلص من استخدام الحكومة للطاقة بما يقارب 205 ملايين برميل من الوقود ويعني إخراج 17 مليون سيارة من الطرق لمدة سنة. وأشار إلى ان الادخار المتراكم سيعادل ما بين 8 و11 مليار دولار من خلال تفادي نفقات الطاقة حتى الـ 2020.
وقال: بصفة الولايات المتحدة المستهلك الأكبر للطاقة، مسؤوليتنا تجاه المواطن الأميركي هي تقليص استخدام الطاقة وجعلها أكثر فعالية. وأضاف: هدفنا هو تخفيض التكاليف والتلوث ونقل نفقات الطاقة الفدرالية من الوقود باتجاه الطاقة النظيفة المحلية.
ووعد اوباما بأن يركز بقوة هذا العام على تعزيز التجارة لكنه أكد ان هذا لا يعني فتح اسواق مهمة أمام دول تقيد وصول البضائع الأميركية إلى مستهلكيها.
وقال: جانب مما نحاول عمله هو التأكد من اننا اذا عقدنا اتفاقية للتجارة مع الصين او دول اخرى فانها ستتقيد بها ولن تسرق ملكيتنا الفكرية. كما وعد اوباما بمضاعفة الصادرات الأميركية في الاعوام الخمسة القادمة. لكنه اعترف بأن الكثير من الأميركيين يخشون انهم قد يخسرون أكثر مما قد يستفيدون من حرية التجارة.
وقال: أملي ان نتمكن من السير قدما في بعض اتفاقيات التجارة هذه وقد بنينا قدرا من الثقة بين الشعب الأميركي بأن التجارة ستقوم على المعاملة بالمثل ولن تكون طريقا ذي اتجاه واحد. وفي رده على سؤال بشان اتفاقيات للتجارة طال تأجيلها مع كولومبيا وبنما وكوريا الجنوبية قال اوباما انه يتفهم ان المزيد من التأجيل قد يلحق ضررا بقطاع الاعمال الأميركي.
وأضاف أن الاتحاد الاوروبي على وشك توقيع اتفاقية للتجارة مع كوريا الجنوبية وذلك يعني انه في الوقت الذي يبدأون فيه فتح اسواقهم فان الاوروبيين ربما يدخلون اليها قبل الأميركيين.