منذ فترة ليست بالقصيرة ظهرت في وسائل إعلامنا بين الفينة والأخرى دراسات وأخبار عمّا يعرف باقتصاد الظل وتقديرات مختلفة لحجم هذا الاقتصاد.
اصطلاحاً يشير اقتصاد الظل إلى مجمل الأنشطة الاقتصادية التي تتم دون ترخيص قانوني وهي تتم خارج دائرة التشريعات التي تضعها الدولة أو القواعد التي تضعها المنظمات الأهلية ممثلة بالجمعيات المهنية ولا تلتزم بمعاييرها وذلك بغض النظر عن كون بعضها أنشطة مشروعة أخلاقيا واجتماعياً أم لا.
لا توجد هناك إحصاءات دقيقة حول حجم اقتصاد الظل في سورية، لكن أكثر الإحصائيات تدور حول 40% من حجم الاقتصاد السوري. وقد ازداد حجم اقتصاد الظل السوري بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، وبات يشكل خطرا على بنية الاقتصاد الوطني.
يشمل زبائن أسواق اقتصاد الظل كافة الشرائح لكن الأغلبية هي من الفقراء تحديداً، والسلع المباعة فيها إما مستعملة أو من منشآت غير نظامية تتهرب من الرقابة التموينية ومن المواصفات السلعية، ولا تتحمل أي عبء ضريبي ولا تخضع لأي رقابة من أجهزة الدولة.
سورية هي إحدى الدول التي انتشر فيها هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية خلال عقود من الزمن أسوة بأكثر الدول النامية حتى بات ظاهرة مستفحلة.
هناك أسباب موضوعية لنمو هذا القطاع منها الضرائب المرتفعة جداً التي سادت خلال العقود الماضية وعدم وجود وعي ضريبي لدى المكلفين والتعقيدات الإدارية والفساد في الإدارة العامة والقوانين والتشريعات غير الواقعية وهو ما يجعل كلفة الالتزام بالقوانين والأنظمة باهظاً وقصور التخطيط العمراني عن تلبية حاجات التطور التجاري والصناعي والخدمي بشكل عام وبالتالي انتشرت مناطق المخالفات التي يصعب فيها تنظيم النشاط الاقتصادي وكذلك زحف النشاط التجاري على المناطق السكنية مما يؤدي إلى ابتعاد هذا النشاط عن التنظيم وقوانين العمل والتأمينات الاجتماعية التي تجعل من الصعب تسجيل علاقات العمل بشكل قانوني وبالتالي تشجع على زحف هذاالقطاع على سوق العمل, وضعف التمويل ما يحد من قدرة الفعاليات الاقتصادية على النمو.
وقد أظهرت الحكومة اهتماماً بتنظيم اقتصاد الظل واستضافت سورية منذ سنتين السيد هرناندو دوسوتو وهو من أهم الخبراء الدوليين في تنظيم اقتصاد الظل وذلك في اشارة إلى تغير في نظرة الحكومة للقطاع غير المنظم لتصبح نظرة تقدير للعاملين فيه وليس معاقبتهم.
وهذا النشاط رغم تأثيره لا يدخل ضمن الخطط الحكومية ولا ضمن حسابات الناتج المحلي وبالتالي هو خارج دائرة الإدارة الحكومية لدورة الاقتصاد الوطني.
وفي حال القدرة على تنظيم هذا الاقتصاد فإنه سيضيف النسبة ذاتها إلى الدخل الوطني في حال تنظيمه ، وهو ما سيجعل في حال نجاح الجهود الحكومية من هذا الاقتصاد ثروة مهمة بين أيدينا يمكن الاعتماد عليها لتوليد النمو الاقتصادي.
ولتحجيم هذا القطاع لابد من تبسيط الإجراءات وجعل الضرائب أكثر عدالة، وإيجاد آليات للتمويل، وبالأخص للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.
عدم تنظيم اقتصاد الظل يجعل من الصعب على الحكومة إدارة دورة الإقتصاد الوطني نظراً لأن مؤسسات هذا الإقتصاد بعيدة عن المشتريات الحكومية مباشرة وهي جزء مهم من أدوات السياسة المالية العامة أو التمويل وهو ما يجعلهم أيضاً بعيدين عن السياسة النقدية. نحن بأمس الحاجة إلى برنامج وطني لتنظيم اقتصاد الظل. وسيكون إحداث البرنامج خطوة مهمة وبداية جيدة لكن من أولى مهام هذا البرنامج هوإجراء الدراسات والأبحاث التي تؤدي أولاً إلى معرفة حجم هذه الظاهرة وأسبابها وتقديم الاقتراحات حول كيفية تشجيع من يشكلون هذا الاقتصاد على الانضواء تحت القانون وتقديم الدعم اللازم لهم واشعارهم أن الدولة هي لدعم نشاطهم وتيسيره وليس فقط لفرض الضرائب والرسوم وجبايتها.